الخميس، 24 مارس 2011

وماذا بعد ..؟

أنا رجل مصري ولد في عهد الملك فاروق ، وجاءت ثورة يوليو وعمري سبع سنوات ، ولم أفهم ما حدث وكل ما أذكره الفرحة العارمة التي ملأت بيتنا من أبي وإخوتي الكبار وتعلمت وترعرعت في عهد الثورة على القراءة والرياضة ونهلت من ثقافة وأفكار العمالقة كروايات إحسان عبدالقدوس وكتب العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ ويوسف إدريس والسباعي وكتابات التابعي وأنيس منصور وعبد المجيد نعمان ونجيب المستكاوي فضلاً عن روايات الجيب والقصص العالمية وشرلوك هولمز وإرسين لوبين وأجاثا كريستي وغيرهم كثير ولم تتعدى قراءاتنا الدينية المناهج المدرسية المقررة ، واتسمت تصرفاتنا بالأدب والخجل والإحترام ، ولا أزعم أن بيتنا فقط الذي كان يتميز بهذا الجانب التربوي ، بل كانت معظم البيوت المصرية تتسم بهذه الصفة ، وكان أبي وثلاثة ممن يكبرني من إخوتي حافظين لكتاب الله ، وأنا نلت قسطاً لا بأس به من حفظ القرآن ، وأذكر حرب 56(العدوان الثلاثي) وعاصرت جمال الوحدة المصرية السورية سنة 58 وذقت مرارة الإنفصال سنة 61 وقبلها فرحة السد العالي سنة 60 وعشت لحظة الإنكسار في 67 وعشت أمجاد حرب أكتوبر 73 وقرأت معظم كتب الأستاذ هيكل وكتاب المرحوم الفريق سعدالدين الشاذلي وقرأت كتاب المرحوم السادات البحث عن الذات ، وكلفت مسئولاً للتثقيف بمنظمة الشباب الإشتراكي سنة 67 أقولها صراحة وبكل أمانة أنني وأبناء جيلي كنا نتنافس في الأفضل خلقاً وعلماً وفكراً وشكلاً ومضموناً ، وأذكر أيضاًأننا كنا نتسابق في خدمة بلادنا في عمل مرتب ومنظم ، في ظل الإتحاد الإشتراكي " الحزب الواحد " ، والذي كان يعمل له ألف حساب كل مسئول في الدولة من الوزير إلى الخفير ..
وبعد وفاة عبدالناصرعليه رحمة الله ، وبرغم فرحتنا بانتصارات أكتوبر 73 إلا أننا شعرنا بعدم الإرتياح لنتائجها خصوصاً بعد ثغرة الدفرسوار ، ومحاصرة الجيش الثالث الميداني لأكثر من ستة أشهر تقريباً وحسبما تناولته وسائل الإعلام في ذلك الوقت ، وظهور فئة عريضة من الشعب المصري تقول أنها كانت حرب تحريك وليست حرب تحرير ، وبدأت ثقتنا في قيادتنا تتزعزع ، وكان هناك ما يشير إلى ذلك ويدلل عليه وهو ثورة التصحيح في 15 مايو 73 ، وكان انطباعنا عنها هو الخروج عن مسار ثورة يوليو 52 ، وأنا عن نفسي توجست خيفة من القادم ، وحدث ما كنت أخشاه فبعد حرب أكتوبر والتي نحتفل بذكراها سنوياً، وبرغم فدائية الجندي المصري وعظمة العقلية العسكرية المصرية ..
إلا أننا شعرنا بإجهاضها منذ إعلان الرئيس السادات عدم تصفية الثغرة وقبوله وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات الكيلو 101 واعتزامه للتوجه إلى إسرائيل سعياً لإقامة سلام شامل وعادل ، وكان لي تحفظ على كلمة دائم التي كانت مرادفة للشامل والعادل لأن الدوام يعلمه الله ولا يحدده بشر في أي أمر من أمور الحياة ، ومنذ حرب 73 بدأت مصر في التغير ، انفتاح وانشكاح وانفلات وجاءنا كل ما هو آت ..
لماذا هذه المقدمة التي ترصد سيرة ذاتية وأحداث ؟ السبب بسيط جداً لأنني قررت في عام 1975 ترك مصر تحسباً من القادم الأسوأ ، والذي لا يتناسب وتربيتي ونشأتي فسعيت في أرض الله الواسعة بحثاً عن الرزق كالكثير من المصريين ، وكان فضل الله عليّ كبيراً ..
أي أنني خارج مصر قبل أن يتولى الرئيس حسني مبارك بست (6)سنوات كاملة ، ولم أعش في عصره يوماً واحداً بل أصبت أنا وأبنائي بأضرار بالغة من نظام حكمه ، ومع ذلك أقول إن ما يحدث في مصر الآن هو مؤامرة كبرى خطط لها بدقة بالغة وبطريقة ممنهجة استعمل فيها من يعرف أنه مجند لخدمة أهداف خارجية ومنهم من لا يعرف ، والكم الأكبر من الفئتين درس في أمريكا والغرب ومنهم من عمل هناك وهؤلاء مجتمعون يدافعون عن الديمقراطية وكأنها كتاب منزل ويطالبون بالحرية (الفوضى والإباحية) كأنها هدف قومي ..
للأسف أرى هناك محاولات مستميتة عبر قنوات تليفزيونية معينة وكتاب أو فنانين عليهم الكثير من علامات الإستفهام يحلون ضيوفاً شبه دائمين على قنوات بعينها وكلما ووجهوا بمن يعارضهم في الفكر أو القول نعتوه بأنه من بقايا النظام السابق أو من أصحاب نظرية المؤامرة والتي يسعى الغرب وأمريكا ومن حذا حذوهم مسحها من تفكيرنا ، وكأنهم أصدق من الله قيلا والعياذ بالله ، ويصبون جام غضبهم على كل من اختلف أو يختلف معهم في الرأي وبعضهم يتشدق بأنه خريج الجامعات الأمريكية ، والآخر يستشهد بما يتبع في الدول الغربية ، والغريب أن في مناقشاتهم أو عرض فكرهم الوقاد لا يكنون أي نوع من التقدير أو الإحترام لمن هو أكبر أو أقدر أو أعلم بخبايا الأمور ، ويتناقشون وكأنهم في الهايد بارك متجاهلون تماماً ما يحكمنا من قيم وأخلاق عشنا عليها آلاف السنين ، ولم أسمع من أي منهم تعليقا واحداً يشير إلى المخاوف المحدقة بنا كما لو كان لديهم تأكيد بضمان سلامتهم وضمان سلامة مصر ، وكأن مشروع إسرائيل الكبرى الذي بدأت تتجسد ملامحه في العراق ومن بعده ليبيا وبينهما السودان وقبلهما الصومال لا يشكل لأي منهم أي قلق ..
الملاحظ أن من إنبرى للدفاع بإستماتة عن هذه المفاهيم والمعتقدات الغربية وما يواكبها من تفسخ أخلاقي وتحلل ديني وجنوح فكري معظمهم من إفرازات عهد السادات وما عليه من ملاحظات ..
أعتقد أن أياً منهم إذا ما قرأ كلامي هذا لأتهمني بالعمالة لحسني مبارك رغم تركي البلاد قبل توليه ب(6) سنوات أو أنني أحد فلول أو بقايا الحزب الوطني كما يحلو لهم تسمية كل من يخالفهم في الرأي أو التوجه ، وأنا لم يسبق لي الإنضمام إلى أي حزب سياسي ..سوى مسئول تثقيف في منظمة الشباب الإشتراكي ولم أعرف كيف تم إختياري ، وتصويتي على بيان 30 مارس 1968 ، وهذه كل علاقتي بالعمل السياسي داخل مصر..
فهل من يخاف على مصر كمن يسعى لعدم استقرارها ، وهل أنا فقط صاحب هذه الرؤية أم أن هناك الكتيرين من أبناء مصر الشرفاء يشاركونني رؤيتي ..
الأمور لا تحتمل المناقشات السفسطائية والتي تخلق جواً من الإنقسام والتشرذم . بين أبناء الوطن فتذهب ريحنا ونصبح لقمة سائغة لعدونا وعدو الله الذي يتصورونه صديقا بل والأجدر لقيادة الشرق الأوسط للتنمية والتقدم والإزدهار كما يبشر بذلك الصهاينة الجدد وتصريحات ليبرمان ( وزير خارجية إسرائيل ) ليست ببعيدة ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق