*** حديث الجمعة
** النعمة و العافية
* النعمة ليست هي الوفرة أو الرفاهية أو البَغددة : ( المشتقة من كلمة بغداد التي كانت رمزا للأبهة و العز في زمن الخلافة العباسية ) .
* رأينا أحد أصحاب النعم يشرب كوب الشاي ، و كأنه يفرغ كأسا من الخمور في جوفه ، يغمض عينيه و يميل برأسه إلى الخلف و هو يرفع كوب الشاي إلى شفتيه ، ثم يشفط شفطة محدثا نغما موسيقيا تطرب له آذانه حتى تكاد طاقيته أن تسقط على الأرض .
* و آخر ، رأيناه جالسا على رأس حقله ، أمامه كوّة من النار مشتعلة ، ترقد فيها بعض كيزان الذرة ، يشويها ثم يعزم بها على كل من يمر عليه ، و يقسم عليه أن يشاركه .
* و ثالث ، أقسم ألا يشرب أولاده من اللبن الذي تدره بقرته الحلوب وحدهم حتى يشرب منه باقى الأطفال الرضع في الشارع الذي يسكن فيه .
* النعمة إذن ليست هي الأبراج الشواهق ، و دفاتر الشيكات ، و الفيللات التي تتوسطها حمامات السباحة و تتكدس فيها أكوام الطعام ، و تصخب فيها الحفلات الماجنة و اللحم الرخيص و أحواض الخمور تعب منها الأفواه الساقطة .
* إنما النعمة فيض من العطايا البسيطة ، اصطفاك الله بها لكي تشرك الآخرين معك في الاستمتاع و الإشباع ، و هي ثوب من الهبات و المنح يسترك ، فتسدله على الأقربين لك و ذوي الحاجة و العوز ، دون طلب منهم ، تفعل ذلك و البسمة تعلو وجهك ، و البهجة تغمر روحك .
* و كم كان المصريون عباقرة حين أقسموا بالنعمة للدلالة على صدقهم ، و حين ينحني المصريّ على الأرض ليلتقط قطعة خبز مرمية ، و يقبلها ، و يرفعها فوق رأسه ، ثم يركنها بجوار الحائط القريب ، و أيضا كثير منهم لا يدركون قيمتها فتزول عنهم .
* و ليست العافية أيضا هي القوة الجسدية أو الصحة الجسمي
ة ، و إنما هي مزيج من العزيمة و الإرادة و سلامة النفس و انطلاق الروح .
* فلم يكن ( خالد بن الوليد ) ذا قوة بدنية متميزة ، و مع هذا فقد تكسرت في يديه تسعة أسياف يوم ( مؤتة ) ، و لم يتبق معه غير صفيحة يمانية .
* فالعافية إذن هي تيار كهربائي يسري في أوصال الإنسان ، يجعله قادرا على الإتيان بما لا يقدر عليه أقرانه .
* و كانت نساء القرية - قديما - تبادرن من تلقاه بالتحية بقولهن : ( العوافي عليكم ) ، و العوافي جمع عافية ، ثم إذا ما انتوت إحداهن الانصراف ، فإنها تودع رفيقاتها بقولها ( خليتكم بعافية ) .
* فكأنما هي دعوة و أمنية بالخير ، و هي طاقة مجهولة تعلو فوق الحسابات البشرية ، و ترتفع فوق المرض و الوهن و الضعف ، و تسكن القلب الذي ينسج منها ثوبا قشيبا يغمر كل أعضاء الجسد و النفس و الروح ، فتتجاوز القدرات المحسوبة إلى عالم من الأسرار و العطايا و المنح العلوية التي لا يعلم كنهها إلا من صاغ معادلتها ، و صنع طلاسمها ، و حَبَك شفرتها ، و نفخ فيها من روحه سبحانه و تعالى ، و الذي أسأله بحق هذا الصباح المشرق أن يديم عليكم نعمته ؛ ظاهرها ، و باطنها ، و أن يرزقكم العافية ؛ كل العافية ، اللهم آمين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق