نعم إنها كلمة حق تقال عقب خروجي من مستشفى حمد العام بدولة قطر وقد تجاوزت الخامسة والسبعين من عمري بأربعة أشهر ..
عقب إجراء عملية جراحية تحت التخدير النصفي، وكللت بالنجاح ، بفضل الله عز وجل وبفضل كل من كان له دور في الجوانب الإدارية والفنية والتنظيمية ..
فمن الجوانب الإدارية والتنظيمية ، أجريت لي مسحة كورونا ( كوفيد 19 ) في يوم 8 / 12 ، وطهرت نتيجتها السلبية بفضل الله سبحانه وتعالى يوم 9 / 12 ، وفي نفس اليوم كان موعدي مع السيد /استشاري طب التخدير وهو من جنسية سودانية رجل فاهم وواعي ومهذب ، وبناءً على توصيته أجريت لي تحاليل دم كامل لزيادة التأكد من سلامة أداء الكلى والكبد ، والتأكيد على خلوي من مرض السكري أ وأخبرني بأنه حال وجود أي أعراض نتيجة التحاليل سيقومون بالاتصال بي تليفونيا لمعالجة أي قصور في وظائف الكلى أو الكبد أو أية معوقات تحول دوان إجراء العملية في الساعة السادسة من صباح اليوم التالي 10 / 12 ..
والحمد لله رب العالمين لم يتم الاتصال بي تليفونيا فأصبحنا على الموعد المضروب لإجراء الجراحة والتوقيت المعلن (السادسة صباحا يوم 10 / 12 ..
وصلت فعلا في حدود الساعة السادسة والنصف ، وعنفتني بطريقة مهذبة السيدة المسئولة تقريبا عن رئاسة التمريض للإعداد والتجهيز للعمليات الجراحية ..
وهي سيدة مصرية وقالت لي (المفروض يا حاج تصلي الفجر وتأتي إلينا مباشرة ، فاعتذرت لها بسبب بعد المسافة لأنني أسكن خارج المدينة فضلا عن تأخر السيارة التي أقلتني بعض الوقت ..
فضحكت ، وبدأت بأداء عملها بهمة ونشاط تحسد عليه ..
لماذا أذكر هذه التفاصيل الصغيرة لأنني أعتقد أن النجاح أو الفشل يكمن في التفاصيل وكان هذا واضحا من معاملة حسنة واحترام للوقت وتقدير للمريض بما يؤثر على حالته النفسية ..
وبدلت ملابسي وارتديت ملابس العملية .
ودخلت إلى غرفة العمليات وأنا أتمتم بآيات من القرآن الكريم ، فهذه أول مرة في حياتي أجري فيها عملية جراحية إلا عملية مياه بيضاء في عيني منذ ثلاثة أعوام تقريبا ..
وفي غرفة العمليات بدأت أولى خطوات العمل الفني أو الطبي البحت :
حيث التقاني الطبيب الجراح الذي سبق له أن حدد لي موعد العملية وهو رجل عراقي ، ومعه طبيبة سودانية وكلاهما في غاية الأدب والذوق ، وأخبرني بأنني سأحقن بمخدر نصفي بحقنة في الظهر ، وستتم العملية وسيكون هناك حاجز حتى لا أرى العملة مباشرة ..
، وقام بإعطائي حقنة التخدير طبيب هندي لا يتكلم وهو يؤدي عمله في حرفية وصمت وأدب ..
ودخلت إلى العملية ، والتي كان مقررا لي إجراؤها في عام 1970 وحُجزت فعلا في مستشفى أسوان العام..
إلا أن أخي الأكبر الحاج محمد محمد أحمد عبدربه (منصور) وأخي الأصغر منه جلال محمد أحمد عبدربه رحمهما الله تبارك وتعالى حضرا إلى المستشفى وأصر أخي الحاج منصور على خروجي من المستشفى دون إجراء العملية ..
رغم أنه كان من كبار رجال التعليم ومتخصص في اللغة الإنجليزية وأيده في رأيه الحاج جلال ..
بينما ووجها بمحاولات عديدة من بعض السادة الأطباء واستهجنوا هذا التصرف من كبار رجال التعليم في أسوان ..
وكانت حجة أخويا أننا نريد العودة إلى خالقنا كما خلقنا سبحانه وتعالى ، وأن هذا الجسد هو ملك لله عز وجل فلا ينبغي أن نعبث فيما منحنا الله عز وجل
بتدخلات بشرية ..
وأن هذا المحجوز لإجراء عملية جراحية لاعب كرة ولم تظهر عليه أي أعراض مرضية ويتمتع بلياقة بدنية عالية وخرجنا بالفعل من المستشفى ..
وتوجهنا إلى أول مسجد (جامع) في طريقنا (جامع الطابية) وصلينا ركعتين لله عز وجل بنية السلامة من كل شر ..
لماذا أسرد هذا التفصيل الذي قد يراه البعض مملا :
لأنني بعد هذه الواقعة استمرت حياتي حوالى خمسين عاما ..
وأدائي كلاعب كرة قدم في أندية حتى عام 1975 قبيل قدومي إلى دولة قطر وكلاعب هاو بعد حضوري إلى قطر لمدة أكثر من 30 عاما ،،
ولم أذكر أنني عانيت من هذا الفتق الإربي الأيمن الذي اكتشفه الطبيب في أسوان بصعوبة بالغة منذ خمسين عاما ..
ولكن مهما طال الوقت فإن وقع الحياة وتغير ظروفها ، عاد لي الفتق مؤخرا بشكل يستوجب التدخل الجراحي ..
لدرجة أنني بدأت أشك في أن الله عز وجل تخلى عني لأسباب قد لا أعلمها ، رغم حرصي الدائم على أن أرضي الله عز وجل في كل أعمالي فهو سبحانه وتعالى " يَعْلَم خَائِنَة الْأَعْيُن وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ " ..
وأخيرا وصلنا إلى مرحلة لابد مما منه بد ، ووافقت على إجراء الجراحة بعد إلحاح أبنائي الأكثر مني علما والأقرب اليّ إيمانا متوكلا على الله تبارك وتعالى ومسلما أمري إليه عز وجل ..
وبدأت هذه الرحلة التي توقفت في سردها داخل غرفة العمليات ، وبدأت الجراحة حوالى الساعة الثامنة صباحا يوم 10 / 12 واستغرقت العملية ساعتين ونصف تقريبا ، وقد انتابتني قشعريرة من البرد الشديد الذي لا أتحمله حيث كان جسمي كله يرتعد ..
وهذه حالة أعاني منها منذ 60 عاما تقريبا وهي رعشة مفاجئة تحدث معي مرة أو مرتين كل سنة وخصوصا عند تغيير الفصول المناخية ، وبعض منها كان سببه عدم التوقع من جانبي وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة ..
وفي الحال تم السيطرة على هذه الحالة المفاجئة بتزويدي بأكياس حرارية شعرت بعدها بالدفء ..
وبعد إتمام العملية نقلت إلى جناح الاستفاقة من العمليات الجراحية ، ومكثت هناك حوالي ساعة أو أكثر ، ثم نقلت إلى غرفة المرضى في الطابق السادس مجهزة بتلفزيون أعلى السرير وفرش نظيف ورائحة طيبة ووجبات صحية مناسبة ، وبها حمام على مستوى عال ..
وكل غرفة مجهزة بكل احتياجات المريض من غطاء وفرش يتم استبداله كل يوم أو كلما كانت هناك حاجة لذلك..
وفي الغرفة مريض آخر إما يُجهز لعملية وإما خارج من عملية ، وفي هذه الغرفة أمضيت يومين 10 ، 11 / 12 ..
وما يسترعي الانتباه نظافة المبنى وكل مرفقاته وتجهيزه بأجهزة استدعاء فورية وفي ثواني معدودة تجد من يلبي النداء ..
وكنت تحت علاج مستمر وقياسات حيوية دائمة من طاقم تمريض أسيوي معظمهم فلبينيين في غاية الأدب والنظافة والاهتمام بكل شيء أو ملاحظة يبديها المريض ..
وصبر على تصرفات حمقاء أو عصبية من بعض المرضى المتأثرين بما يعانونه من ألم ، كأن لديهم فكر أو تعليمات بأنه " لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ " ..
أنا لم أعرف السبب الذي من أجله بقيت بغرفة المريض يومين ، ولكنني علمت فيما بعد بأن ضغطي كان مرتفعا ودرجة حرارتي كانت عالية ..
والحمد لله عز وجل أنه تقرر خروجي من المستشفى حوالى الساعة العاشرة صباحا يوم 12 / 12 / 2020 (شكل التاريخ حلو) ..
وذكريات هذه الرحلة التي استغرقت يومين فقط كانت وستظل عالقة في ذهني ما تبقى لي من حياة ..
ونأتي أخيرا على الجانب التنظيمي بعد أن استعرضنا الجانبان الإداري والفني :
! - كل يؤدي عمله بتفان وإخلاص ..
2 - المعاملة الحسنة والأخلاق الرفيعة من جميع العاملين ..
3 - النظافة الواضحة جدا في المظهر والجوهر في الجماد والانسان ..
4 - كل المرضى سواء بصرف النظر عن الجنسية أو العرق أو اللون ..
5 - كل العاملين باختلاف جنسياتهم أو أجناسهم على قدر كبير جدا من الوعي
لمهام عملهم وتقدير ظروف المريض ..
6 - كل ماتقدم من إجراءات إدارية وطبية وفنية ونفسية وغذائية لمدة يومين
كاملين وبكل هذا الاهتمام والضوابط التنظيمية والسلوكية في مقابل
200 ريال قطري ، ويعفى من تلك الرسوم المريض عن طريق حالات
الطوارئ ..
تعقيبي على ذلك :
أنني لا أتوقع أن يكون هناك أفضل اهتماما ورعاية وسلوكا وأسلوبا من أفراد أو أجهزة أو معدات في أي دولة من دول العالم أفضل مما رأيته بأم
رأسي في دولة قطر ..
وتنويه يجدر الإشارة إليه حتى لا يجنح البعض من أبنائنا في مصر إلى التفكير فيه .
أن العنصر المصري لم يظهر إلا في رئيسة الممرضات المسئولة عن اعداد وتجهيز العمليات الجراحية فقط ..
فأقول يوجد عدد كبير من السادة الأطباء المصريين جراحين واختصاصيين لهم تقدير واحترام ويؤدون عملهم بكفاءة واقتدار وأعرف كثيرا منهم وكذلك إخوة فلسطينيون وسوريون ومن جنسيات مختلفة ولم أر من أحد منهم إلا كل أدب واحترام ومن المعلوم أنه يوجد حوالى 200 ألف مصري يعملون في مواقع مختلفة في مهن متعددة ، وكل ما أعرفه عنهم أنهم بخير وسلام ..
هذا ما أردت أن أسجله بنفسي عن تجربة مرضية عشت مراحلها من البداية إلى النهاية ..
وكما يقولون أن الشيء بالشيء يذكر فإن أيضا منظومة الأمن والأمان متوفرة بأقصى درجات الاستعداد للحفاظ على كل من يقيم على أرض قطر ..
أكيد هناك أمور إيجابية أخري لم ألاحظها وفي كل الأحوال يظل المثل الأعلي في الكمال لله عز وجل ..
وما لم ندركه كله لا نتركه كله ، ولكنها كلمة حق من انسان عاش في دولة قطر منذ 11 / 10 / 1975 يعني 45 سنة ويومين ..
أعتقد أنها مدة كافية تسمح لي بالتعبير بكلماتي الصادقة " وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ " ، «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» ..
دمتم جميعا بصحة وعافية ، ونسأل الله عز وجل لكم ولنا ستره وعفوه ورضاه في الدين والدنيا والآخرة إنه سبحانه سميع مجيب وبالإجابة جدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق